Tunisie des Lumières

تونس الأنوار

الصفحة الأساسية > عــربــية > القنديل > السيدة المنوبيّة والنهضة الحفصيّة

السيدة المنوبيّة والنهضة الحفصيّة

السيدة المنوبيّة والنهضة الحفصيّة

الثلاثاء 29 آذار (مارس) 2016

بقلم د. آمنة بن ميلاد: باحثة جامعية

ترجمة إلى العربية:محمد توفيق كركر


هناك نهضة حقيقيّة ونهضة زائفة. لنتبيّـن ذلك، علينا أن نعود إلى التفسير اللغوي لكلمة "النهضة" عن طريق موسوعة "لسان العرب"، أين نجد التعريف الصحيح لهذا المصطلح. لنتذكرّ أن هذه الموسوعة متكوّنة من إثني عشر مجلد، وقد أصبحت منذ زمان المرجع العالمي للغة العربية. ولنتذكر أيضا أن مؤلّفها هو ابن المنظور التونسي. كلمة "النهضة" تعني، حسب "لسان العرب"، اليقضة، والميلاد الجديد، والإنتباه الفكري. وتجدر الملاحظة أن العصر الحفصيّ عرف نهضة حقيقيّة للفكر الإنساني من خلال إبن المنظور، وإبن خلدون، والسيدة المنوبية.

أحرق الوهابيّون في شهر أكتوبر 2012 مقام هذه السيّدة، وقد كان مُصانا من طرف كل الأنظمة منذ القرن الثالث عشر ميلادي.

العصر الحفصي كان حقّا عصر النهضة الفكرية التي عُرفت بمفكرين كبار مثل ابن المنظور وابن خلدون، وكانت السيدة المنوبية من المعاصرين لهما. فعمرها ثلاثة وأربعون سنة عندما وُلد إبن المنظور، و سبقت بستّة وستّين سنة عصر إبن خلدون.

إسمها الحقيقي عائشة. علّمتنا من أعماق القرن الثالث عشر معنى الحريّة.

منذ الأربعينات من القرن العشرين، تعاقب عشرة من المؤرّخين على دراسة مسيرتها والبحث في نشاطها. ولدت في منوبة، وقد كانت آنذاك قرية صغيرة قرب العاصمة تونس. لغة الأم لعائشة هي الأمازيغيّة، أي اللغة البربريّة. وقد أشار عبد الرحمان إبن خلدون إلى اللغات المتداولة في العصر الحفصيّ، وبيّن في الفصل السادس من مقدّمته الشهيرة أن اللغة البربريّة منتشرة في كامل الأرياف، ما عدى المدن الكبرى أين تُنطق اللغتين العربيّة والبربريّة، ويُمَارس الخلط بينهما.

كانت عائشة تحسن اللغتين، وكان لوالدها وظيفة دينيّة، لم يتوصّل الباحثون في تحديدها: هل كان مؤدّبا، أي ما يُعرف باللغة العاميّة "بالمدّب"، أم إماما؟ علّمَها اللغة العربيّة والقرآن. وفي سنوات المراهقة لم تتوار عائشة وراء جدران المسكن العائلي، بل خالطت سكّان القرية بكل حرّية، وأبوها يحميها من المشاكسات التي قد تشتكي له منها. تقدّم لخطوبتها أحد أبناء عمّها، لكنها رفضت ذلك. ما معنى الزواج من دون حبّ؟

ضاق عليها محيط القرية، فنزحت إلى تونس، أين تمكّنت من حلّ مشكل السكن والشغل في مكان قريب من القصبة، يُعرف "برَحبة الغنم"، أين تباع الأغنام والعلف. لا حرّية دون إستقلاليّة ماديّة. شغلت عائشة مهنة النسج الذي تعلّمته في مدرسة أمّها. فعلا، ومنذ عصر قرطاج، نساؤنا تُمارس مهنة النسج وصناعة الصوف، ويظهر ذلك جليّا في عديد اللوحات الفسيفسائيّة التاريخية.

إنخرطت عائشة في تعلّم الإسلام الصوفيّ في مدرسة تحت إشراف أبي الحسن الشاذلي، المعروفة منذ أمد طويل " بزاوية سيدي بالحسن". المدرسة الصوفيّة تختلف عن المدرسة المالكيّة . فالصوفيّون يعطون مكانة أعظم للقيم الإنسانيّة. لم تكن المدارس أو ما شُهر " بالزوايا" ممنوعة على النساء عامة، بل كان الإختلاط فيها مقبولا. ومن بين تلك الزوايا، زاوية سيدي محرز، و سيدي بن عروس، و سيدي بالحسن الشاذلي.

كان سيدي بالحسن، أستاذ عائشة، على إتصال مباشر وغير مباشر بالطريقة الصوفيّة لإبن عربي الأندلسي. وقد عُرفت مدرسة هذا المفكّر الفذّ بإقرارها بضرورة المساواة بين البشر، نساء ورجالا، مسيحييـن ويهود ومسلمين. لكن عائشة لم تتعرّف على إبن عربي الأندلسي مباشرة. فعندما أتى هذا المفكّر إلى تونس في مناسبتين، لم يكن عمرها يتجاوز الثماني سنوات. ورغم ذلك كانت مُتشبّعة ومسكونة بسلسلة روحية فكريّة تربطها به.

تعلّمت "الطريقة الصوفيّة" بتدرّج. إجتازت عديد الإمتحانات، ومن وضعيّة التلميذة أصبحت في مستوى أستاذها. فانطلق الحوار الفكريّ بين شخصين: السيدة المنوبيّة التونسيّة وسيدي بالحسن الشاذلي المغربي الأصل. هل يمكن إعتبار ذلك بذرة من بذور الوحدة الحداثية الناشئة للمغرب العربي الكبير؟ كان الحضور كبيرا في مجالس مدرسة سيدي بالحسن، سيما أثناء الحوارات مع عائشة.

تتمثّل مرجعيّة الفكر الصوفيّ في القرآن والسيرة النبويّة، وهي تُدير الظهر لما يُسَمّى بالشريعة، ولمذاهبها المختلفة، ولأعيانها ورجالها. و يبقى الفكر الصوفيّ حرّا في فهم القرآن وتفسيره. لهذا السبب بالذات، قاوم الوهابيّون المدرسة الصوفيّة. نشأ الفكر الوهابيّ في القرن الثامن العشر ميلادي في ما يُعرف اليوم بالمملكة السعودية. وانتشر عالميّا بعد إكتشاف النفط هناك. المدرسة الوهابيّة لا تقـرّ بإنسانيّة البشر، وتُرَكّز على الخوف من الله، وكذلك على العنف. وفي المقابل تُؤكّد المدرسة الصوفيّة على السلم، وسعادة البشر، وحبّ الله.

الصوفيّون " رومنطقيـّون" ، ينظرون إلى الكون بالقلب أو "بعين القلب" كما يقولون. يعلن إبن عربي الأندلسي: الحب هو ديني وعقيدتي. لكن هذه الأفكار المُنيرة، هذه الأنوار، لن تحض بالإنتشار في ربوع المملكة السعودية. فكتب إبن عربي الأندلسي محضورة ممنوعة في هذا البلد، منبع الوهابيّة.

يقال أن عائشة رتّلت القرآن 1620 مرّة طوال حياتها، وأنّها لم تَتَحجّب. هناك دون شكّ موقف فكرّي دينيّ وراء هذا الإختيار. وهو موقف يتناغم تماما مع نظريّة إبن عربي، حيث أنه أكّد في كتابه "الفتوحات المكيّة" على ضرورة الفصل بين ماهو" باطن" في الشخص وماهو" ظاهر" ، بين روح الشخص وفكره، وبين مظهره الإجتماعي. فلروح الشخص وحدها معنى في مدى حبّها لله. أمّا في تونس ما بعد الثورة، أصبح حجاب المرأة، ولحية الرجل، والطابع على الجبين، أدلّة على مدى الايمان. وهذا في تناقض تام مع المدرسة الصوفية. يقول جلال الدين الرومي الذي تتلمذ مباشرة على إبن عربي : إن المرأة شعاع نور. وهذا نقيض كلّي لما نراه اليوم في تونس في تكاثر عدد النساء المتخفيّات وراء أقمشة حالكة اللون، وكأن تونس ساعية للغرق في الظلمات .

الأرجح هو أن نرى عائشة مُرتدية فستانا من الصوف، أبيض اللون، المعروف "بالبدن الصوفيّ"، كالذي يرتديه غالب أتباع الطائفة الصوفيّة. يحدث كل هذا في قطيعة تامة وشجاعة مع ما يُسَمّى" بالشريعة " التي تريد فرض الحجاب على المرأة لأنها تُعتبر "عورة". وتجدرالملاحظة هنا، أن كلمة "عورة" من أصل عبرانيّ وهو (ERVA)، كما تجدر الإشارة إلى أن حجاب الشعر والوجه منصوص عليه في الكتب المقدسة اليهودية.

( Genèse et Cantiques )

إنه من المؤسف أن منظّري "الشريعة" طوال العصور الماضية لم يهتمّوا بربط مظاهرها وأحكامها بالظروف التاريخية، ولم يجتهدوا في دراسة بعض جذورها اليهودية قبل ظهور الإسلام.

لم تكن عائشة مقبولة من طرف الجميع. فقد أراد قاض من القضاة الحكم عليها "بالرجم". و من المفيد أن نلاحظ هنا، أن كلمة "الرجم" غير موجودة أصلا في القرآن، في حين أنها موجودة في التوراة (Bible Juive, Torah livre V). لكن السلطان أبا زكرياء الحفصيّ دافع عنها بشدّة، وقد كان هو بنفسه متفهّما للأفكار الصوفية التي دأب على نشرها سيدي بالحسن الشاذلي، ويكنّ لعائشة كل الإحترام. ففي يوم من الأيام، أراد السلطان التحاور معها، فتنقّــل هو بنفسه للقائها.

كانت عائشة تتعامل مع الجميع بمساواة كاملة، رجلا كان أم إمرأة، حاكما كان أم من الرعيّة. المهمّ في الإسلام الصوفيّ، هو مدى عُلوّ روح الإنسان قبل كل شيء. هل يمكن القول أن عائشة تُنذر بفكرة المواطنة والديمقراطية؟

كانت عائشة، مع كل ذلك، ضدّ الزواج. وعلينا أن نتفهّم ذلك جيّدا. فنساء المدن في عصرها كانت سجينات، خاضعات وتحت رقابة أزواجهن. يِؤكّد إبن خلدون في "المقدّمة" أن النساء والأطفال مطالبون بالطاعة والولاء. فكرة الديمقراطية داخل الأسرة غريبة تماما عن المنظومة الفلسفية والفكرّية لتلك العصور، حتى بالنسبة لعبد الرحمان إبن خلدون، المؤسس لعلم الإجتماع كما هو معروف. لنتذكّر أن "بنات غانية" الثلاث التي تعرّف عليهن والد عبد الرحمان، رفضت أيضا الزواج. لتلك البنات أثر موجود إلى اليوم، ويتمثل في وجود نهج معروف على مقربة من القصبة، يحمل إسم "نهج باب البنات".

يصح القول أن عائشة رائدة في شموليّة حقوق الإنسان. لقد عارضت العبوديّة ستّة قرون قبل منعها رسميّا سنة 1846 أيام حكم أحمد باي. و تمكّنت من شراء عدد من العبيد التونسي والموجّه إلى إيطاليا، ثم من إطلاق حريّتهم.

على ضوء هذا الحدث لنا أن نتساءل عمّا إذا كانت عائشة تحسن اللغة الإيطالية، علما وأن أجدادنا الحفصيين - وهذا ما أكده المؤرخون – كانوا جدّ متفتّحين لغويا وتجاريا مع أوروبا وخاصة مع إيطاليا، ولم ينقطع سكان بلادنا عن إستعمال لغتين أو أكثر منذ عصر قرطاج.

عندما قرّر سيدي بالحسن الشاذلي مغادرة تونس والتوجه إلى مصر، عيّن عائشة برتبة "قطب". وهي أعلى المراتب الروحيّة في الطريقة الصوفيّة، وتجسّد "قطب المعرفة والنور" الذي يرنو إليه أتباع الطريقة. سلّمهـا لباسه وخاتمه في حفل تتويج رسميّ، وهو بذلك يُعيد إلى الأذهان ما قاله إبن عربي عن رابعة العدوية عندما إعتبرها قطبا.

المعروف عن الإسلام الصوفي أن "القطب" يؤمّ الصلاة ويصطفّ وراءه إمامان من الصنف الأول ومن خلفهما يصطفّ كذلك إمامان من الصنف الثاني.

عاشت السيد المنوبية مدّة طويلة. وعند وفاتها كل الأعيان الحفصيّين شاركوا في توديعها إلى مأواها الأخير. إنها فعلا عائشة بأتمّ معنى الكلمة، إسم على مسمّى. وإنه لمن أكبر المفارقات أن أتباع الوهابيّة السعودية، بإحراقهم لمقام السيدة، أعطوا لعائشة نفسا جديدا وروحا متجددة .

علينا، في آخر الأمر، أن نعيد النظر في النهضة الحفصيّة، برجالها ونسائها، حتى نتشبّـع بأنوارها، وننجو من عالم الظلمات الذي يغذيه ويرغب في فرضه البترول.

تاريخ الترجمة : ديسمبر 2012