Tunisie des Lumières

تونس الأنوار

الصفحة الأساسية > عــربــية > القنديل > تونس كما أراها 2020

تونس كما أراها 2020

الثلاثاء 29 آذار (مارس) 2016

كيف يمكن أن تكون عليه تونس سنة 2020 ؟ بل كيف أرغب أن تكون عليه تونس تلك السنة ؟ وحتى أطلق عنان خيالي وأساير أهوائي فلن أحلل ولن أعلل حتى وإن أمكن التحليل أو التعليل.

لعل أصعب تصور لمستقبل بلد ما هو ذاك الذي يحدد صورة مدرسة الغد. هي ليست تلك التي نعرفها اليوم: فضاء يوفّر فقط قاعات للدراسة و ساحة للراحة. هي فضاء للعيش كامل اليوم للتلاميذ والمربّين على حد السواء. هي مركب مدرسي، له بعض الصفات والمرافق التي توفـّـرها رياض الأطفال الصغار، وله كذلك البعض من الصفات والمرافق والفضاءات التي توفـّرها المركـّبات الجامعية.

نجد في المركـّب المدرسي 2020 فضاءات للدراسة واللهو والثـقافة والفنّ والرياضة ودكاكين تجارية. فضاءات تمكـّن تلميذ المدرسة الإبتدائية أو الثانويّة من التمرّس على الحياة الجماعية خارج الأسرة، في مجتمع مصغـّر، بتأطير من المربـّين يضمن إستقلاليـّة التصرّف والإختيار في حدود تتـّـسع شيئا فشيئا، مواكبة لنموّه الفكري والجسدي، وتهيئة للحياة الجامعية أو المهنية في المجتمع الواسع.

يعيش التلميذ داخل جدران المركب المدرسي تجارب حياتيـّة في العمل المشترك، في إنجاز المشاريع، في ممارسة عملية الشراء والتصرّف فيما توفـّره له أسرته من موارد ماليـّة، في التدرّب على الخطابة والدعاية والإنتخاب والترشح، في التفاعل العقلاني والنقدي مع الأنترنات والتلفزة وغيرهما من أدوات الإتصال والثـقافة والإشهار.

أحلم بتلك المدرسة التي تهيـّأ الناشئة للمواطنة الكاملة والواعية والمتفاعلة مع المجتمع الحقيقي بكل تناقضاته ومشاكله.

تونس بلاد أغلب أراضيها صحراوية، مواردها المائية محدودة، وطاقتها الشمسية بلا حدود.

أحلم بأن تكون هناك شبكة كاملة من المولدات الكهربائية الصغيرة الحجم موزعة جغرافيا في المناطق المهشمة أولا، تشتغل بالطاقة الشمسية وتنتج، زيادة عن الطاقة الكهربائية، الماء باستخراجه من جوف الأرض، فتؤمن بذلك شرطا أساسيا من شروط الحياة، فتتعـدّد الواحات الصحراوية وتصبح خضراء وقرى أو مدن دائمة العمران.

أحلم بأن تكون هناك شبكة واسعة من السكك الحديدية تغطي كامل الأراضي التونسية، تجري فوقها قطارات سريعة ومريحة، وبشبكة واسعة من الطرقات الجيّدة.

أحلم بأن يكون هناك نفس جديد يطغى على عقلية بعث المشاريع الاقتصادية، نفس تعاضدي، تشاركي، يدفع في إتجاه بعث الوحدات الاقتصادية الصغيرة أو المتوسطة، تخلق إنتاجا ذا قيمة مضافة عالية.

أحلم بأن تكون السياحة والثقافة متلازمـتين، الواحـدة تثـري الأخرى، ومنتشرتين في كامل الجهات، في القرى والمدن.

لم تعد السياحة للترفيه والإستراحة فقط. و لكنها أصبحت أيضا ذات أبعاد أخرى، فيها حب المغامرة، والاكتشاف، والدراسة، والبحث. فيشــعّ المخزون الثقافي الشعبي، و تظهر روعة التنوع الجهـوي والتمازج الحضاري.هي سياحة شبابية، تتجاوز المركبات السياحية التقليدية، لتتغلغل في المدن والقرى، عن طريق بيوت أو ديار للضيافة التي يوفرها الأهالي، فيكون ذلك دليلا واضحا على التفتح والتبادل الثقافي.

أحلم بأن تكون العلوم والفنون والتقنيات بكل أصنافها، والتحصيل عليها، والإبداع فيها، في قمة القيم الاجتماعية، وأن يكون في قمة الاهتمامات للنظام السياسي الجديد، هاجس ترويجها الشعبي والواسع، وإرادة قوية لدعم رجال ونساء العلم والفن. فتُنجز منظومة متكاملة ومتـنوعة لنشر الثقافة العلميـّة، تنطلق من المدرسة والجامعة إلى مؤسسات لنشر المجلات العلمية وللتخزين وللترويج المنتوج الفكري، وإلى مؤسسات للبحث الميداني والدراسات الإستراتيجية.

أهداف الثورة التونسية تمثـّلت، وتتمثـّل في توفير الشغل والكرامة والحرية لجميع المواطنين، وفي كل المناطق والجهات. لا أرى سبيلا إلى التشغيل السريع والواسع، وإلى التوازن الجهوي، غير الشروع فورا في الإهتمام بالبنية الأساسيّة لما لحضائر البناء للطرقات والمرافق العمومية، من قدرة على الإستيعاب الكثيف لليد العاملة وللإطارات العليا. البنية الأساسية عنصر أساسي من عناصر التوزيع العادل والملموس للثروة الوطنية على كامل المناطق، فضلا عن أن هذا الإختيار لا يتطلب مستوى من المهارات والتقنيات والتكنولوجيا الذي قد تعجز عليه تونس اليوم.

ويبقى في النهاية العنصر البشري، وهو المحرك الوحيد للنماء والتقدم، رهين مكانة المدرسة والعلم والثقافة في سلـّم القيم الإجتماعيـّة وفي الإهتمامات السياسيـّة. لا يمكن أن تكون هذه المكانة عالية إلا في نظام سياسي يطلق الحريات الفكرية والفردية والعامة، و يسهر عليها، ويجعلها في مقام ركيزة من ركائز المجتمع، وعنصرا من عناصر هويـّته ومناعته.

محمد توفيق كركر

تونس في 30 جانفي 2012